وهبة الزحيلي
158
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والإشارة بقوله : نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ إلى عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه الذين انصرفوا معه عن نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا ثلاثمائة ، فمشى في أثرهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام الأنصاري ، أبو جابر بن عبد اللّه ، فقال لهم : اتقوا اللّه ولا تتركوا نبيّكم ، وقاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا ، ونحو هذا من القول . فقال له ابن أبيّ : ما أرى أن يكون قتال ، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم . فلما يئس منهم عبد اللّه قال : اذهبوا أعداء اللّه ، فسيغني اللّه رسوله عنكم ، ومضى مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واستشهد رحمه اللّه تعالى . ودل قوله : أَوِ ادْفَعُوا على أن الدفاع عن الأوطان مثل القتال في سبيل اللّه ، وعلى أن تكثير سواد المسلمين وإن لم يقاتلوا معهم ، يكون دفعا وقمعا للعدو ، فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدو . ويؤكده أن المرابط المستعد للقتال في ثغر إسلامي مدافع ؛ لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاء إليها العدو . وكان موقف المنافقين هذا سببا في ظهور أمرين : الأول - تبيان حالهم والكشف عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مسلمون ، فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال ، وإن كانوا كافرين على الحقيقة : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ . الثاني - إظهار كذبهم وعدم استحيائهم في الإتيان بالمغالطات ، فهم أظهروا الإيمان ، وأضمروا الكفر : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ . ومن دلائل عدم إيمانهم أنهم قالوا لأجل إخوانهم - وهم الشهداء المقتولون من الخزرج ، وهم إخوة نسب ومجاورة ، لا إخوة دين - : لو قعدوا بالمدينة ما قتلوا .